القرطبي
113
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قوله تعالى : ( أم لم ينبأ بما في صحف موسى . وإبراهيم ) أي صحف ( إبراهيم الذي وفى ) كما في سورة ( الاعلى ( 1 ) ) ( صحف إبراهيم وموسى ) أي لا تؤخذ نفس بد لا عن أخرى ، كما قال : ( أن لا تزر وازرة وزر أخرى ) وخص صحف إبراهيم وموسى بالذكر ، لأنه كان ما بين نوح وإبراهيم يؤخذ الرجل بجريرة ( 2 ) أخيه وأبنه وأبيه ، قاله الهذيل بن شرحبيل . ( وأن ) هذه المخففة من الثقيلة وموضعها جر بدلا من ( ما ) أو يكون في موضع رفع على اضمار هو . وقرأ سعيد بن جبير وقتادة ( وفى ) خفيفة ومعناها صدق في قوله وعمله ، وهي راجعة إلى معنى قراءة الجماعة ( وفي ) بالتشديد أي قام بجميع ما فرض عليه فلم يخرم منه شيئا . وقد مضى في ( البقرة ( 3 ) ) عند قوله تعالى : ( وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن ) والتوفية الاتمام . وقال أبو بكر الوراق : قام بشرط ما ادعى ، وذلك أن الله تعالى قال له : ( أسلم قال أسلمت لرب العالمين ( 3 ) ) فطالبه الله بصحة دعواه ، فابتلاه في ماله وولده ونفسه فوجده ( 4 ) وافيا بذلك ، فذلك قوله : ( وإبراهيم الذي وفى ) أي ادعى الاسلام ثم صحح دعواه . وقيل : وفى عمله كل يوم بأربع ركعات في صدر النهار ، رواه الهيثم عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم . وروى سهل بن سعد الساعدي عن أبيه ( ألا أخبركم لم سمى الله تعالى خليله إبراهيم ( الذي وفى ) لأنه كان يقول كلما أصبح وأمسى : ( فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون ) ( 5 ) ) الآية . ورواه سهل بن معاذ عن أنس عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم . وقيل : ( وفى ) أي وفى ما أرسل به ، وهو قوله : ( أن لا تزر وازرة وزر أخرى ) قال ابن عباس : كانوا قبل إبراهيم عليه السلام يأخذون الرجل بذنب غيره ، ويأخذون الولي بالولي في القتل والجراحة ، فيقتل الرجل بأبيه وابنه وأخيه وعمه وخاله وابن عمه وقريبه وزوجته وزوجها وعبده ، فبلغهم إبراهيم عليه السلام عن الله تعالى : ( أن لا تزر وازرة وزر أخرى ) . وقال الحسن وقتادة وسعيد بن جبير في قوله تعالى ( وفى ) : عمل بما أمر به وبلغ رسالات ربه . وهذا أحسن ، لأنه عام . وكذا قال مجاهد : ( وفى ) بما فرض عليه . وقال أبو مالك
--> ( 1 ) راجع ج 20 ص 13 . ( 2 ) في ل : ( بجريمة ) . ( 3 ) راجع ج 2 ص 98 وص 134 ( 4 ) في ز ، ل : ( فوجد وافيا ) . ( 5 ) راجع ج 14 ص 14 .